المشاركات الشائعة

السبت، 1 سبتمبر 2018

لبنى فتاة سيبانية

لبنى فتاة الجمال الطاغي، الذي لا يقاوم .
جعلتني مقيداً بدون قيود .
سجين في حسر دوعن بدون حراسة لا أقدر أن أبارح مكاني .
 كقول الشاعر : مرصون ومقيّد قيدي حديد  .
هي تشبه سعاد سعدي فتاة الدلال  الأنثوي ، الذي لايوجد إلا في نساء أهل السودان الشقيق .
أظنكم تفرّقوا بين الأنثى والأنوثة .
تصارعني في اليقظة والمنام .
ما أعذب صوتها - يهدّم فيّ يا أخي -
صوت أنثى ملائكي .
لست أهواه بغرائزي البهيمية .
فقد سمعته أول مرّة وكانت تنهرني وتزجرني .
لكوني أنا نواب - أيْ نحّال- فقد كنت في بلاد دوعن منطقة ( رحاب ) عند جبل صنصلة الأشم الشامخ ، الذي يعلن للقادم أني أنا موجود ، فاحترموا وجودي على عادة توارثناها نحن في حضرموت ، وهي الذهاب إلى مراعي زبد العلب (السدر ) بجبوح النوب ، وهي خلايا النحل في بلاد دوعن المشهورة بالعلوب وجودة الانتاج .
 يكفيك مثلما يقال أيّ منطقة في ( دوعن ) تستقرّ فيها في موسم الزبد لتدرك البغية . وما أدري عن سبب تسميته البغية ، وهو العسل الأكثر جودة وطلبية في المنطقة العربية ، حيث عرفه سكان حضرموت منذ الأزل كما جاء في التوراة . من بداية نجم الدلو إلى نهاية نجم النطح حسب تقويم بن دغار .
أربعين يوماً ، هو موسم البغية من بداية شهر أكتوبر إلى نهاية العشر الأولى من شهر نوفمبر .
وهذه هي المرّة الأولى التي أذهب إلى ( قاطر الغيال - آل باعبدالله ) ، فاستهواني في المكان ماء القاطر
( الشلال الصغير ) يملأ بركة تحته ، ويفيض في جدول صغير من خلال صخر الصفاء الملساء ، يفصل البركة عن الجدول عشرة أمتار من الصفي ( حجر الصفاء ) . فقد كنت أستحمّ في الجدول إلا وحجر يرتطم في الصفي ويحدث فرقعة شديدة .
عرفت أن قوّة الارتطام بسبب شدة سرعته . فالتفتٌ مذعوراً إلى الخلف ف لأجد امرأة على بعد ثلاثين إلى خمسة وثلاثين متراً تقترب من بداية الجدول ، فطلعت من الماء لابساً قميصي . كنت أودّ أن أغيّرَ ملابسي لولا قدوم الفتاة الجريئ إلى حيث أقف . فنهرتني عن قيامي بالاستحمام في هذا المكان ، لأنه ليس للرجال الاستحمام إلا في بركة القاطر فقط . فلا أدري ما الذي جعلني أقف خائفاً خجلاناً ، كطالب لم يكمل حفظ جدول الضرب أمام معلمته .
لم يسعفني إلا أن أقول : أنا غريب في هذه الأرض ، وأول مرّة أحطّ في رحاب .
كانت المسافة التي تفصلني عنها تقدّر بمترين أو أقرب منها .
هدئت من حدّتها ، تقول : لا أدري أنك غريب ، فالرجال لهم ذلك ذلك المكان المعروف ، وأشارت إلى البركة التي تحت القاطر .
في هذه اللحظة تبيّن لي أن الفتاة كانت في بداية العشرين من عمرها .
عرفتها من خلال تلك العيون النجلاء الوسيعة ، من تحت برقعها البدوي - كما يسمّى عندنا - وقد تبيّن لي جمال خلقي فاتن ، وقوة روح عالية فيها ، لأنّ العيون ما هي إلا مرآة تعكس قوّة الروح .
فمرّة واحدة فقط التقى خط نظري بنظرها ، وشعرتُ أني لا أقدر أن أقف على قدماي .
قلت لها : يا بنت الناس ، والله إن هذا المكان أعجبني ، وأنا أشير إلى مكان تدفق الماء .
وخفت من البركة لأني هنا لوحدي أستطلع المكان .
قالت : خلاص أنا سانتظر إلى أن يصطفي الماء .
وفي هذه اللحظة رأيت على كتفها شنة ، كانت تهم أن تملأها من الجدول .
قلت لها : العفو ، أنا آسف فهاتيها لأملأها من الطارح .
وكانت هذه المرّة الثانية التي تتلاقى فيها نظراتنا .
ابتعدت صاعداً إلى الصخر بعد أن صعد الدم عندي إلى الأذنين .
كان حجر الصفي الذي يرتفع عن الجدول إلى سطح ماء البركة حوالي سبعة أمتار ، وأنا أقول : آسف مرّة أخرى .
نظرت إلى ساعة الجوّال ، فكانت تشير إلى السابعة والربع . ونظرت من فوق حجار الصفاء إلى تلك الفتاة ، فكانت تنظر إلى ماء الجدول ، وهي تملأ القربة الصغيرة .
انتظرتُ فوقاً على مسافة أربعين متراً من حيث تقف . وهي تنظر إلى حيث أجلس ، ولا أدري لماذا ؟!
حملت الفتاة الشنة على كتفها وأبتعدتْ عن مكان الماء وعنّي ، إلى أن شارفتْ على الاختفاء في الطريق المتعرجة ، فرأيتها تنظر إليّ في لفتة ، وسارت في طريقها  .
لا أدري ما الذي جعلني أبتسم مع نفسي .
غيّرتُ ملابسي وإنطلقت إلى حيث الخيمة التي نصبتها أنا ، وسالمين المرشدي صديق الطفولة ، مرافقي في المرعى .
فلما رأني سألني : أين الحطب ، أم تريد أن تأكل الدقيق ، قالها وهو يبتسم .
تبسمت ضاحكاً ، وقلت له : نساك الموت ههههههههههه
والله نسيت ، لقد رحت أغتسل هههههههه .
في تلك اللحظة قال لي وهو متجهم قليلاً : إنتبه تروح إلى عند القاطر الصبح بدري ، والله أنتم عيال المكلا بغيتوا صبراُ كثيراً !!!
فسألته : لماذا ؟
أجابني وهو يجمع بعض الحطب من أشجار السمر ، قائلاً : أنت حاسب نفسك أين ؟!
نحن نعيش في منطقة عاداتها تختلف عن المكلا . فحتى تكسير الأعواد . فللنساء وقت ، وللرجال وقت للذهاب إلى الماء ، فلا تعمل مشاكل مع أحد . وأخذ يشعل النار في الموقد .
كانت عندي نشوة قويّة أن أخبره ، بما لقيت في الصباح عن الطارح إلا إني شعرت بإنقباض من كلام سالمين .
غيّرتُ الحديث وسألت : عجنت ولا عادك ؟
تبسّم ، وقال : أنتم عيال المكلا ، عيال أمهاتكم .
هههههههه . وأخذ يضحك وهو يسوّي العجين !!
وفجأة نهرني ، قائلاً : قمْ اسقي النوب فقدها ضحوى ، أليس معك ساعة ؟!
قلت له : الأن الساعة ثمان والثلت ، وأنا أخفي ذلك القلق .
رجع إلى التحذير مرّة أخرى ، وقال : شف هنا بدو ، ولهم عاداتهم ، ونحن ضيوف عندهم والحركات الزايدة خلّها ، فنحن طالبين الله هنا ، سمعتَ أم أعيد الكلام ؟
كان سالمين برغم إنه أصغر منّي سناً إلا إن عقله ناضج . يقيّم الوضع جيّداً .
أكلنا خبزنا المجمور ، المستوى فوق جمر الموقد المدفون برماد ، لكي لا يحترق مع بعض قطع من اللخم - لحم سمك القرش- وشاي كيني عتيق ، أحبه أنا .
مرّ الوقت برتابة لا شيء جديد إلى وقت الغداء غير صوت الراديو .
كان عليّ طبخ الأرز مع السمك الذي سوف يجلبه سالمين من سوق رحاب ، أو القويرة ، ولا أدري أين السوق في هذا الوادي .
وعلى عادة سالمين كان يفضّل العشاء من طعام الغداء ، فهو من الحضارم محبي الرز في العشاء ، ونحن كذلك في المكلا ، عشاؤنا في أغلب الأيام الأرز .
والعجيب في سالمين أنه له جسم رشيق ، وقامة معتدلة وتقاسيم ، وجهه تدلّ على تلك الوسامة العربية ، أعتقد أنهم محافظون على إصالة ذلك الجين العربي من الضياع . تلك العينان مع ما فيهما من الحدّة تبدؤان جذابة ، وذاك الأنف الصغير الحاد ، كأنه قلم بيد كاتب ، وهذه الابتسامة العذبة مع بعض الصفرة في الأنسان . وأما لون صاحبي قمحي وشعر رأسه يلامس الأذنين مع تلك التجاعيد المتموجْة في هذا الشعر تجعله أكثر جاذبيّة .
أجمل ما في صاحبي هو الصدق والوفاء ، والوقوف إلى جانبك في وقت الشدائد . فقد عرفته طفلاً يلعب ، مع أخي الذي يصغرني أكثر من عقدين من الزمان .
ومرّتْ ساعات النهار سريعاً ، بعد إصفرار الشمس في وقت الأصيل . كان سالمين قد جهّز قرصاً واحداً من الخبز لي ، لأنه مصرّ على أكل الأرز في وجبة العشاء دائماً .
وكان العشاء يقدّم بعد صلاة المغرب مباشرة . فجلسنا ننسامر بعد تناول هذا العشاء ، ونتحدّث عن الأخبار التي قد سمعناها من الراديو على إذاعة المكلا وسيؤن .
كان الخبر البارز يتحدّث عن سيطرة قوات الشرعية على مديرية الدريهمي في محافظة الحديدة ودحر قوات الحوثي منها .
سألتُ سالمين : هل هذه الحرب اللعينة سوف تنتهي بالسيطرة على ميناء الحديدة ؟
أجاب بعفوية أعهدتها دائماً فيه : أعتقد أن قوات الحوثي لن تستسلم ، حتي ولو أسقط التحالف قنابل ، مثل القنابل التي أسقطتها أمريكا على اليابان .
الشعب في الشمال أغلبهم يقدّمون شيخ القبيلة على الحكومة ، فهذه اليمن ، يا أخي  .
بالإضافة إلى الكراهية التي يكنّها ذلك الشعب إلى السعودية ، فهناك الجهل ، إنه شعب مقاتل جاهل عاطفي .
لا سيطرة على هذه الحرب إلا أن يحصل الحوثي وأنصاره ، على نصف الوزارات بما فيها السيادية ، أو إخراس أخر بندقية بيد أخر مقاتل من أنصاره .
سكتنا فترة ليست طويلة ، وعرجّنا إلى أكثر من موضوع عن النوب والجنوة والشرب والحلب وغيرها .
وقبل أن يغلب سالمين النوم رجع مرّة أخرى إلى ذكر الطارح وعدم الذهاب إليه .
وفي النهاية أذعنت صاغراً له بعد مناقشة عقيمة منّي . لأنه يعرفني أكثر من نفسي ، فأكيد قد لاحظ في الصباح شيئاً لم أستطعْ إخفاءه عنه ، غصباً عنّي .
فمرّ لي أكثر من أسبوعين ، وأنا على نفس الرتابة ، عدا يوم الجمعة نذهب الى رأس حويرة أو الأدواس ، بعد صلاة الجمعة مباشرة ، ويكون الغداء في أحد المطاعم ونبيّت في العراء طبعاً .
وفي يوم الجمعة وهو الأسبوع الخامس لنا في رحاب . حصل ما لم يكن في الحسبان ، مرّ أحد البدو إلى عند خيمتنا في الصباح الباكر ، حوالي الساعة الخامسة ، فلم نتأكد من الساعة . وكان يجمع بعض الأعشاب ، يقال لها شجرة العقرب التي تشبه لسان البقرة ، وهي عندنا أهل ساحل حضرموت . وكانوا يستخدمونه مع الحرمل الذي يستخدم في تهدئة بعض آلام المغص . أما الشجرة العقرب فتستخدم للذغات العقارب كما يقال . نعرف جيداً هذه الشجرة ، أو العشبة ، فقد رأيتها قريب الطارح عند استطلاعي لتك المنطقة قبل أن أمنع من الذهاب إلى ذلك المكان من قبل سالمين  ؟!
فناداه سالمين إلى فطورنا ، وسأله أيش الذي صار معه .
فقال : ولدي الصغير محمد ، فيمكن أن يكون عقرباً قد لسعه ، لأنه قريب من فراشه ، فبدأ يصيح .
قلت : عمي العفو من معي ؟!
قال : عمك سالم .
قلت : هذه الشغلة بغت المستشفى يا عم سالم ، قم وشل الولد ، فخلّنا من المدركة ، وشجرة العقرب .
أجاب : أدري يا ولدي نحن الأن منتظرين عمك منصور ، لأنه سرح بالسيارة إلى السوق ، والساعة السابعة سيكون عندنا .
هنا تدخل سالمين ، قائلاً : السيارة موجودة فيالله بنا نروح ، فقلت له : إلى أين نروح ؟!
فقال العم سالم : ما قصرت يا ولدي ، سننتظر عمك منصور !!!
هناك صاح سالمين : عيب عليك يا عم سالم أنت كذا تنقص مننا ، والله أنا الذي باشلّه ، فشفني قد حلفت .
أجاب العم سالم : يا ولدي المستشفى في صيف ، وقبصة العقرب ما هي مشكلة .
فكان سالمين حانقاً ، وقال : حتى إلى المكلا سنروح ، فأيش بك ،
يالله بنا نروح ، فقم يا عم سالم  ، وأنت يا صلاح ، قم خلّنا نشوف صيف ونصلّي الجمعة هناك وسنرجع بعد العصر ، كانت كلماته آمرة .
طبعاً ، فخبزنا المجمور عاده لم يجهز ، وكان معنا تمر حجري .
إنطلقنا إلى بيت عمنا سالم التي لا يبعد عن خيمتنا سوى كيلومترن على أكبر تقدير .
وهذه المرّة الأولى التي أدخل فيها إلى بلد رحاب .
كانت البيوت الطينة مزروعة في سفح الجبل ، وفي المقابل جبل ( صنصلة ) ينظر إلينا بوقار شيخ محبتي على حبوة والطارح يمثل له عصاه .
فقلت في نفسي ما شاء الله البيوت لا بأس عددها ، وفيها مدرسة نظرتُ إليها من فوق السيارة ( الدينا ) .
لأني أحببتُ أن يكون العم سالم يأخذ راحته في السيارة ، ولكن بحكم أن اليوم هو يوم الجمعة ، والساعة السادسة والربع ، فكانت شوارعها خالية .
وصلنا إلى البيت الذي يقيم فيه العم سالم ، كان بيتاً طينياً مثل أغلب بيوت رحاب من ثلاثة أدوار ، لم ندخل إلى البيت بحكم ظرف العم سالم ، الذي لا ينقصه الكرم مثل أيّ عربي أصيل ،
فقد دخل مسرعاً إلى بيته ونادى على زوجته أن تتجهز ، لأنّ السيارة حقّ النوابة يبغون أن يصلوا الجمعة في صيف حسب قوله .
وفي تلك الأثناء كان يصيح : يا لبنى حطّي الفطور في كيس سنأخذه معنا إلى صيف وزيّدي للشباب .
فلم نسمع غير صوت العم سالم يرتفع ثم ينخفض في تلك الدار  .
بعد حوالي ربع ساعة ، ونحن خارج السيارة بعيداً قليلاً عن البيت .
خرج العم سالم يحمل طفلاً في السابعة أو الثامنة من عمره ، يبكي بصوت خافت ، والدموع كانت تملأ وجهه ، فلما نظر اتجاهنا حاول أن يمسح الدموع عن وجهه ، فربما شعر بخجل من هذين الغربيين سالمين وأنا .
ووقف العم سالم ينادي زوجته : يا حرمة يالله نروح ، فالناس منتظرينا وكان صوته آمراً .
فخرجت زوجته على عجل ، وصعدت أنا في مكاني السابق .
وفتح سالمين الباب للعم سالم ، وركب ، وصعد عمنا سالم ، وابنه وجاءت زوجته لتصعد .
وعند إغلاق الباب ، سمعت العم سالم يسأل  : ين الفطور ؟ ، أنتنّ حريم بلا عقل .
هنا قطع سالمين الكلام صائحاً عليّ : يا صلاح رحْ نادي عليهم في البيت يجيبوا الفطور ، عمك سالم يبغى يخرج يجيبه .
أجبته : أبشر ، وعند وصولي إلى عند الباب خرجت لبنى ، ومعها الفطور الذي كان في الكيس ، فتناوله منها ، وهنا كانت لفتة منّي إلى لبنى التي لا أعرف من تكون وتقع عيناي عليها ، أجد نفسي وقفت لحظة قصيرة لأعرف أن الفتاة التي رمت بالحجر لتنبهني بقدومها هي إبنة العم سالم ، وتدعى لبنى .
أخدت الكيس منها وبسرعة طلعت إلى ( الدينا ) والفطور معي . فإنطلقت السيارة بسرعة .
وهنا إنفطر الجرح الذي سببته زيارتي الأولى إلى شلال  رحاب  . فوقفت مكلوماً أنظر إلى الخلف ، وأجد الفتاة واقفه على الباب تنظر إلى السيارة التي تقلّ والديها ، وأخوها محمد  .
وهنا أشرتُ بيدي إلى لبنى . ورأيت يدها تأشر فوق صدرها على استحياء .
وهنا مرّت ذكرياتي التي كانت تأرقّ ليلي عندما ينام سالمين . ذكريات وأحلام النوم واليقظة سريعاً .
كنتُ شارد الذهن ، لم أقف على طريق رحاب صيف جيداً .
وأقف ممسكاً بيديّ صندوق المقصورة بكلتا اليدين كجندي في النخبة خلف الدوشكا ، أو المعدّل . والأحلام والأفكار تمرّ بسرعة في مخيلتي . لم تنتهِ إلا بتوقف ( الدينا ) في مستشفى صيف .
فخرج سالمين ، وفتح الباب للعم سالم وزوجته . وخرجوا من المقصورة ، وساروا إلى باب المشفى .
لم أنتبه إلا بصوت سالمين صائحاً : صلاح خلّنا ندخل معهم !!!
فخرجت من ( الدينا ) ممسكاً الفطور بيد . الذي وضعه سالمين في المقصورة .
وإنطلق يجرّني بيدي إلى الداخل . فكانت المستشفى لا بأس بها من حيث النظافة . فهي أقرب من مستوصف لا مستشفى . كان العم سالم وزوجته يخبران المناوب عن ما أصاب ابنهم .
فقام الطبيب بعمل اللازم لمحمد ، وأكد لهما ألا خوف عليه .
كنتُ واقفاً بجاب الباب .. لا أدري ، أ أنظر لحوار الطبيب ، أم أدخل في دوامة صمتي .. لعلّي أتذكر البنت التي أعطتني كيس الفطور . ورمتْ ذلك الحجر بقوّة .
رتبتُ صوري المبعثرة ، فجمعتْ ذاكرتي أكثر من صورة ، وأسقطتْ عليها اسم لبنى .
كنتُ مشتت الفكر ، واقفاً كجثة بدون روح تقريباً ، فلم أدر إلا والطبيب ، يقول لي : خذ هذه الورقة ، فالصيدلة في الجانب الأخر من هنا . فظللت واقفاً في مكاني ، كأنّ الكلام لم يكن موجّهً لي .
وهنا جاء العم سالم ، ومسك بيدي وأدخلني إلى داخل الغرفة ، وهو يقول : قد تعبناك يا ولدي معنا ، فأجلسْ هنا ، وأنا سأروح لأجيب الدواء .
في تلك اللحظة عاد إليّ بعض نشاطي وأخذتُ الورقة من الطبيب ، وأنا أسأل سالمين في أيّ جانب ؟ ، كان سالمين ينظر إليّ مبتسماً في غرابة .
نظرت إلى اسم المريض ، فكان اسمه ( محمد سالم السيباني ) . فتبسّمتْ وأنا أقول في نفسي : فتاة سيبانية !
الساعة قاربتْ العاشرة ، وكانتْ حالة محمد جيّدة . فأدخل سالمين الفطور من السيارة ، وأعطاه العم سالم ، قائلاً له : خلاص الحمد لله ، محمد بخير ، ونحن سنكون في الخارج ، فهيّا بنا يا صلاح  .
، هممنا بالخروج ، إلا وبصوت نسائي ، يقول : تعال يا صلاح ، وخذ فطوركم .
ألتفتُ إلى المرأة ، فكانت في منتصف الأربعين ، أو تقارب الخميسن من عمرها  ، وهي المرّة الأولى التي ألتفتتُ إليها ، وأنا مشتتُ الفكر ، ولا أدري أنازع نفسي ، أم نوع من الاحترام لهذه المرأة . وكنتُ حينها في فراغ تلك اللحظة .
فأخذته منها ، قائلاً لها : شكراً لكِ يا خالة ، فخدوا راحتكم ، وسنكون نحن في الخارج ، وأيّ خدمة لكم ، فنحن رهن إشارتكم . فقالت لي : تسلم يا بني ، ويبدو أنّ محمداً ، لمّا كان يصيح قد أفزعك ، فذلاّ عقرب صغير .
صاح عمي سالم : خلاص عمكم منصور في الطريق قريباً سيوصل ، والله يحفظكم يا عيال .
تبسّمت ، وخرجتُ ، وسالمين إلى تحت شجرة ، وقلتُ له : يبدو أنك جوعان ، فقال لي مبتسماً : بعدين أيش فيك ؟ فأنت اليوم لستَ طبيعياً ، قالها وهو يفرش الكيس .
أجبته ضاحكاً : شكلها من السطحة حقّ ( الدينا ) ههههه .كنت أداري ما ألمني .
وكان الفطور خبز تنور ، وصانة ، إدام ، ولخم ، وحلاوة طحينية . هنا إنفجرتُ ضاحكاُ ههههههههههه هههههههه .
كان سالمين يصيح أمجنون أنت ، أيش تسوّي ، قلت له والضحك يملأ نفسي المهمومة : ههههههههههه شف الخبز حقّ الناس كيف هههههههه . فبالله عليك تخجّل الخبز الذي نأكل كل يوم هههههههه .
كان سالمين يضحك من قلبه هذه المرّة ، أول يوم ، منذ أكثر من شهر ، لأنه أكل خبزاً مصنوعاً في بيت ، وكان الفطور لذيذاً ، ولم نترك منه شيئاً . اكلنا ثلاثة أقراص من الخبز في أقلّ من عشر دقائق ، فما أقبح الغربة في الشعاب  .
واصلنا الحديث تحت شجرة النيم ، وكانت الساحة نظيفة تماماً ، تدلّ على الاهتمام بالمكان ، وأحواض الأشجار منتظمة تدلّ على أن من أنشأها كأنّ له روح بستاني من الدرجة الأولى . وهنا بعض أزهار الدفلة ، وبعض الأحواض فيها النبتة البلاستيكية . وطبعاً هذا الوصف لا يعطي جمال الصورة الحقيقية . مثلما يقال ليس الخبر كالمعاينة .
في الساعة الحادية عشر جاءت سيارة نوع هايلوكس غمارتين ، نسميها عندنا   ( سيارة بقرة ) ههههههه ، ولا أدري موديل كم ، لأنه ليس لي دراية بالسيارات ، وممكن لو كنتُ سألتُ سالمين ، لوجدتُ  الإجابة عنده . خرج منها رجل عمره فوق الخمسين كما تبيّن لي ، فدخل مسرعاً إلى المستشفى  .
وبعد حوالي خمس دقائق خرج إلينا سالم السيباني ، وجلس قربنا ، وقال لنا وهو مبتسم بخجل : كيفكم يا شباب ؟ ، ، فقلنا له : الحمد لله نحن تمام . فأجابنا : أسمعوا ، هذا من عندي . وأخرج ظرفاً من جيبه . هنا قال له سالمين مبتسماً : حقّ المشوار .
فاسمع يا بو محمد الكلام هذا عيب ، قالها  سالمين بصرامة أعرفها ، فنحن لم نسوِ شيئاً جديداً  ، فلو بغينا فلوساً ، لكنا قد قلنا ذلك من البداية ، قبل أن نتحرّك .
كنت جالساً أستمع للحوار بصمت ، وأتابع ردّة الفعل في وجهي المتكلّم والمتلقي لحظة بلحظة . إلا أن كان كلام عمي سالم موجّه لي شخصياً ، كنك ساكتاً يا صلاح مخلّي سالمين يفرفر .
شف يا عم كلامنا واحد أنا وسالمين .فنحن اليوم في صيف سنصلي الجمعة وبعد الصلاة سنرجع لكم ، فلا تخف .
هنا تبسْم العم سالم ، وقال : شفت السيارة التي وقفت عندنا ، والتي خرج منها عمك منصور خال محمد .
أول مرة أنظر إلى وجهه سالم السيباني بتمعّن . كان في الخمسين من عمره على ما أظن ، وظنّي لا يخيب في أكثر الأحيان . كان معتدلاً القامة والبنية مع بطن يشارف قليلاً ، ولون عينه عسلي تقريباً ، أما شعر رأسه حليق مع بياض كثيف فيه . أعتقد أنه ليس من الذين يعملون في الشمس ، لأنّ بشرته فيها نوع من الطراوة ، وقال لي : الله يحفظكم بس الغداء عندي اليوم  .
فتبسّمت ، وقلت : شل عيالك يا بو محمد ، يوم ثانية إن شاء الله سنأتي .
خلاص فنحن سنروح ، قالها سالمين الذي نطق فجأة . وركبنا في السيارة والعم سالم دخل المستشفى .
فمرّ النهار سريعاً مع ما فيه من أحداث .
طبعاً اليوم تعشينا رزاً أخدناه من المطعم . وجلستُ وسالمين جلستنا المعهودة مع الشاي ، وسألتع فجأة : أيش رأيك في عمّك سالم ؟ ، فقال لي : من أيش من ناحية ، فقال سالمين وهو يصبّ كأس شاي ، من كلّ النواحي  ! قلتها وأنا محروج من سالمين . لم أفهم أيش تقصد ؟! ، قالها سالمين وهو يعدّل المتكى تحته .
فيا سالمين أتذكر اليوم الذي قلت لك أنا أغتسلتُ في القاطر ، قلتها له : وأنا منتبه له ، أيش فيك ؟ ، قالها وهو يستمع إليّ باهتمام .
أنا ألتقيت صدفة بالبنت ، فيا سالمين ما شاء الله جمال وأخلاق ، قلتها وسالمين ينظر إليّ . كلنا قابلنا مثل هذه البنت التي تذكرها ! ، قالها : وهو يبتسم وبصدق ، هات أيش معك ؟ . الصباح أنت كنتَ تمنعني من القاطر ، الليش يا طيب . أحاول أن استدرج هذا العنيد ، ضحك سالمين ، قائلاً : أسمع يا طيب الباقي خمسة أيام وسنخرج ، فخلْ الهبالة . الصبح بدري حريم يجين إلى الماء ، وأنا كلمتك وأنت داري ، فأيش معك ؟.
أنا قلتُ لك حصلتُ بنت عند الطارح  ، قلتها بزعل لأنّ سالمين تجاهل كلامي . طيب ، والليش زعلان ، فأيش المشكلة ، الصباح الرواعي وقتهن ، فقال ضاحكاً :
المشكلة خوك شكله ودّف . قلتها بنشوة
كيف قلت ودّف ، فأيش سويت يا البلوى ؟ ، قالها ، وقرب عندي مبتسماً . لا شي ما سويت حاجة . قلتها ضاحكاً : أكيد في شيء مخبيه ، فهات خلنا أفتيك . وكان يستجدي ما عندي
سمع يا بو مرشد أخوك بدأ في حبّ واحدة شافها مرّة واحدة . واليوم شافها مرّة ثانية ، وكانت حينها دقات قلبي تخفق وتزداد .
فلاحظ صاحبي حالي في صمت . وبعد مدّة قال لي خلّك من الكلام هذا ، الباقي خمس أيام وسنرجع واااه بغيت منها ؟ . شفت وحدة .. شفت وحدة .  واااه بتسني علينا ، فخلنا ننتبه لشغلنا كأنك أول مرّة تشوف بنتاً ، قالها وبدأ يفرش للنوم .
قلت سمع يا بو مرشد بكرة سنسرح إلى عند الطارح مرّة واحدة ، إن بطيت فنصف ساعة بس . نظر إليّ ولم يجب  وغطّى وجهه . ولا أدري كم مرّ علي إلى إن غلبني النوم .
فجأة نظرتُ إلى الساعة ، فكانت تشير إلى الرابعة والنصف قبل آذان الفجر . إلتفتتُ إلى سالمين ، فكان نائماً ، فسحبتُ نفسي ، لكي لا أوقظه ، وإنطلقت إلى الطارح . كانت المسافة حوالي كيلو متر تقريباً . سمعتُ الآذان ، فأخذتُ وضوءاً من البركة ، وكان الماء بارداً جدّاً . وبعد الصلاة ذهبت أقطع نحو سفح الجبل ذهاباً وعودة ، طلعت الشمس وأنا أراقب الطريق . قد يكون الجو أكثر برودة في شهر نوفمبر ، فلم تظهر أيّة من النسوة بعد .
مرّت فترة ليستْ بالقصيرة ، إلا ويد تمسك بي من الخلف ، فخفتُ ، وقمتُ مذعوراً ، ألتفتتُ إلى الخلف ، إذ بسالمين واقفاً خلفي ، أيش تسوّي هنا ؟ قالها لي . هذه المرّة الثانية أجيء إلى هنا ، فأين رحت ؟ . تبسّمتُ ، وقلتُ له : أنا هنا من قبل الفجر . أجبته ، أقول لك أين رحت والله هذه المرّة الثانية أرجع إلى هنا ، كان يتكلم بصدق ظاهر ، فقلت له : يمكن بعد الصلاة رحتُ إلى ذاك الحرف وأشرت إلى حيد قريب في الجانب الأيمن للطارح .

خلاص قمْ من هنا ، قالها لي بترجّي ، فقلت له أنا من البارح ما نمتُ ؟! ، قال لي : أدري كنتُ أتابعك من تحت الغطاء . وبعدين أسمع الجلوس هنا غلط ، فشف الحريم بدأن يقربنَ من هنا . قالها بصوت خافت يستجدي أن أقوم من هذا المكان . فنظرت إليه ، والدمع في عينيّ غصب عنّي يتدفق . فلما شاف الدموع جلس جنبي وأحضنني ، قائلاً لي : فعلاً ودّفتَ يا صاحبي ، فيا خوي بس أيش قصدك لا شفتها تخرجتْ وكلامتها ، فأيش بغت الحريم يقلنَ عنها ، فما فكرت في ذلك ؟ ، فقلت له ، والدمع يملأ عينيّ ، ساعدني فأيش الحلّ ياخوي ؟ ، كنت أتكلّم ودمع عينيّ يزاد ، فقال لي : وهل ستعرفها إذا شفتها ؟!
هززت رأسي ، ولم أستطع أن أتلفظ بحرف .
فقربنَ الحريم من الماء ، وكنا فوق الجبل يريننا من بعيد . فقال لي سالمين : اتبعني  .
فصاح عليهنّ من فوق ، السلام عليكم ، وخرج مسرعاً من سفح الجبل ، وأنا خلفه . فتوقفنَ الحريم ينظرنَ إلى هذين الغريبين المهرولين من الجبل . فوقف سالمين قربهنّ ، وقال لهنّ : صباح الخير ، فردّن عليه ، صباح النور . العفو منكنّ ، فقال سالمين لهنّ : هل شفتن النوب قدّامكنّ ، إنه فر علينا ، وفرق ونحن نتبعه إلى هنا ، فقالتْ إحداهنّ : يا خوي ما شفنا شيئاً .
فقال سالمين العفو منكنّ ، وتركهن ومشى مسرعاً ، وأنا خلفه .
ابتعدنا قليلاً من الرواعي ، فقال سالمين يسألني : حد فيهنّ ؟ ، قلت : من ؟ ، قال  : حبابتي ، فأنت تبغي من ؟! ، فقلت له : لا أحد فيهنّ !! . فقال : خلاص خلّنا نروح على طريق البلاد ، وسنرجع بعد شوي . كان سالمين أكثر حكمة منّي  .
إنطلقنا إلى قريب الطريق ، ورجعنا . كان سالمين كأنه فعل ضاع عليه نوب حتى أنا صدقته .
فقال سالمين : ماشي فايدة ، فخلّنا نرجع . وكانت بيوت رحاب تستقبلنا ضاحكة .
فوقفت أنظر إليه كطفل ينظر إلى شيء مفزع يحاول أن يفر منه . أو شعر بالخوف من غريب . وجلس سالمين في جنب الطريق فوق صخرة متوسطة الحجم من حجر الطبيق ينظر إليّ ، ويقول : ودّي أن أساعدك تعرف أنت ذلك ، ولكن هل تريدنا أن نجلس في الطريق إلى العصر ؟!
قالها لي : بشفقة .. أذكر ذلك جيداً . وهذا الموقف لا يمكن أن أنساه له ، قلت والنسوة راجعات في بداية الطريق . خلّنا نصبر قليلاً .
أقتربتْ النساء إلى حيث أقف ، وقالتْ إحداهن : الله يعوّض عليكم ما لقيتوه ، فنحسبه علا فوق ، فقال سالمين مجاوباً : لكن عمي مصرّ أن ندوّر عليه . في إشارة لي على أني صاحب النوب ، ولستُ شريكاً فيه .
والذي ينظر لحالي مع قلّة النوم والهمْ ، يظنّ أني من النوع الذي يظلم العامله أو شخص غريب الأطوار ، وكل همّه المادة . وكانت قوّة استدراك سالمين عالية جداً ، وأحسده عليها أحياناً .
مررنَ النسوة ، وبعد قليل سمعتُ ضحكهنّ ، فأظنهنّ يضحكنَ عليّ طبعاً ويقلنا : يا لهذا البخيل . أكيد رأينَ وجهي وأنا أهرول من الجبل خلف سالمين ، وكانت حالتي عند الهرولة يصعب وصفها .
وقال سالمين لي بعد ذهاب النسوة : يالله نروّح إلى شغلنا ، فممكن لا تجي ( البنيّة ) ، وبعدين خليك عاقلاً ، فهل كل ما أعجبتنا واحدة ، معنى ذلك أنها تحبنا ؟! ، فأجبته : يا سالمين لننتظر عشر دقائق بس .
وكنت في وسط الطريق ، وسالمين في سفح الجبل المرتفع ، ويفصلنا حوالي عشرة متر من حيث أقف . وقلتُ له : إني لما شفتها أول مرّة ، كانت لوحدها ولم تكن مع أحد .
مرّت خمس دقائق ، قالها سالمين لي بعد إن نظر إلى جواله .
وبدأ يسير نحو الماء في صعود ، وأنا لا أزال واقفاً . فتبعته أسير إلى الطارح في الطريق ، وكان سالمين في صعود ، وأنا في بطن الأرض أمشي   وفجأة رمى سالمين بحجر إلى حيث كنتُ أسير . فرفعت رأسي أقول حاسب ، فأيش معك ؟ ، ابتسم لي ، وواصل السير في صعوده ، وكذلك أنا واصلت المسير في إتجاة الطارح . وكانت المسافة التي بيني وبينه حوالي سبعين متراً . فمرّتْ فترة لا بأس بها ، ولا أعلم ما الذي جعلني أقفز ؟!
كان صوت الحجر في جنب الجبل من الخلف ، فإلتفتتُ إلى الخلف فزعاً ! . كانت هي معذبتي تحمل شنتها في كتفها .
نظر إليّ سالمين ، وصاح ، وهو يشير بإصبع سبابته إلى ظهر يده الأخرى ، فلم أجبْ عليه ، ولم ألتفت إليه . تأخرت في سيري ، ومشيتُ الهوينى . إلى أن سمعتُ صوتاً ، جعلني لا أقدر على رفع رجلي قائلاً : فأول كنّا الحجر ننبيه ، وأما اليوم سأرميه فوق رأسك .
هذا صوت من يهواه قلبي ، قلتُ ، وأنا أنظر إلى الأمام : إذا كان يرضيكِ ، فأنا مستعد - وكانت خلفي مباشرة - ، لقد قلتُ ذلك منّي ، بعد أن ألتفتتَ إلى تلك العيون التي سحرتني .
وواصلتُ المسير ، وسالمين في الجبل كحارس للطريق ، ولا أدري أهي صدفة يسير في الجبل ، أم أنها فكرة من ( بو مرشد ) .
قلت : إسمعي يا بنت الناس ، فأنا لم أنم من البارحةة إلى اليوم ، وعندي كلمة ساقولها لك وأمشي ليس عندي لفّ ، ولا دوران ، فكلامي واضح .
فقالت لي : هات إيش تبغى ؟ ، قلتُ : أمخطوبة أنتِ لأحد ؟ ، فلم ترد على سؤالي ، ولم أنظر إليها ، لأننا نسير !!!
فقلتُ لها : أنتِ لم تردي عليّ ، وهذا يعني أنكِ لستِ مخطوبة ، فقالتْ لي : أيش تبغى أنتَ ؟ ، فإني أسير خلفك الآن ، لأن عمك سالم يمدح فيكم ، فلا تفكّر في حاجة ثانية  .
قلتُ لها : وأنا احترام عمّي سالم ، وأعتقد أنني لم أغلط عليكِ . فهل غلطتُ عليكِ ؟ . فإن غلطتُ ، فقولي لي !!
وقلتُ لها : يا بنت الناس بدون مقدّمات ، فأني أحبكِ وأبغى أنْ أخطبكِ ، وهذا هو ما عندي . فقالتْ لي : وما الذي تعرفه عنّي ؟! ، فقلتُ لها : من يوم شفتكِ ، وأنا أفكر في هذا الكلام ، فقالتْ : أنتَ اسمك قد عرفته البارحة ! ، فقلت : وأنا مثلك ! ، فقلت لها : اسمكِ ( لبنى ) ، وأنا اسمي ( صلاح منصر ) ومن أهل المكلا ، وشغلي نوّاب ، ودرستُ إلى الجامعة ، فهذا هو أنا ، يا بنت الناس ، وليس معي الملايين ولا القصور ، والحمد لله أنني عايش  ، وإن شاء ربّي سيحسّن وضعي ، فقالت : الله يوفقك ، بس من إين عرفت اسمي ؟ ، فالتفتُ إليها قائلاً : من عمي سالم .
وبعدين سأسألكِ ، فهل درستِ أنتِ . أم إنكِ راعية للغنم .
فضحكتْ ، وقالتْ : أيش فيها الراعية .
قلتُ : ولا شيء مجرد سؤال لا غير .
فقالتْ : أنا درستُ إلى الثانوية . ويرحم الله جدّتي ، فقد عارضتْ أبي لما كان يبغى يخرجني من المدرسة ، فقلت لها : الله يرحمها .
فقالتْ : كنتُ أرعى الغنم مع جدّتي .
فضحكتُ ، وقلتُ لها : قوّة رميكِ بالحجارة تدلّ على أنكِ راعية للغنم ، فقالتْ :  أيوه . جدّتي قد أوصتْ قبل أن تتوفى أبي ببيع الغنم ، حتى لا يتخذها حجّة له ليخرجني من المدرسة  .
قلت لها : فهل تحبّي أن تكملي دراستكِ إذا قمت بخطوبتكِ ، فأنا ليس عندي مانع .
وأظنّ أن كلامتي الأخيرة ، كانتْ مربط الفري لكلامي كلّه ، فلم تعطني جواباً ، وسرنا إلى أن وصلنا إلى عند الماء .
أبتعدتُ عنها ، وأنا أقول لها : فهل سأتين بكرة إلى هنا ؟
وإنطلقتُ صاعداً إلى ( الصفي ) ، وأشرتُ بيدي إليها ، وكانتْ هي كذلك تشير بيدها لي .
فذهبتُ مسارعاً إلى عند سالمين ، فوجدته يتناول فطوره ، وهو زعلان منّي ، لأني جعلته اليوم في موقف صعب مع نفسه التي تحبّ المرح ، لكنها لا تعرف الكذب .
ذلك هو سالمين الذي أعرفه جيداً ، وقد رأيته الآن منكسراً بعض الشيء .
فالحمد لله إذا كان عكس ذلك فقد تغيّر هذا الفتى الشاب ، فقال لي : كلْ بسطك ، وحاولْ أن تنام قليلاً . وكان يضحك عليّ ، فلم أجبه بكلمة .
صحيتُ على صوت التلفون يرنّ . إذ كانتْ الوالدة تتصل بي ، وتخبرني أني لازم أن أرجع إلى المكلا اليوم ، لأنها تعبت قبل كم يوم ، وأبقوها في المستشفى ، وإنها لازم تشوفني ، فإنقطع الخطّ ، فحاولتُ الاتصال بها ، ولكن دون جدوى .
فقمتُ أبحثُ عن سالمين ، فلم أجده والسيارة كذلك لم تكن موجودة ، وعرفتُ أنه ذهب إلى السوق . فبقيتُ أفكر إلى أن ظهر ، فسألته : شيء شبكة في جوالك ؟ ، فأجاب : نعم ، فقلت له : اتصل بالبيت حقنا . فرفع التلفون ، وقال الخطّ مقطوع ، فأيش فيك أنتَ ؟! ، فقلتُ له : الوالدة قبل ساعة اتصلتْ بي ، وتبغى منّي الرجوع إلى المكلا ، لأنها تعبانه ، ومرقدة في المستشفى ، فقال لب : خلاص بعد الغداء سنتحرك إلى ( بن عيفان ) ، وأية سيارة أركبْ فيها وطمنّي على صحّتْ والدتك ، قلت له  : إن شاء الله
وأين الصيد ، قال لي : لم أجبْ شيئاً . لأنّ غداءنا اليوم عند عمك سالم .المسكين ، فقد جاء إلى هنا ، وعزمنا على الغداء ، وقد كنتَ أنت نائماً - شكلي اليوم سأكل رزاً ، أفضل من طبخاتك الزفتة ، قالها وهو يضحك .
، فضحكتُ معه ، لكنني كنتُ مقبوضاً من خبر الوالدة ، وعمي سالم .
بعد آذان الظهر تجهزنا وإنطلقنا إلى بيت العم سالم ، وكان محمد من المستقبلين لنا في مرح ، والعم سالم مرحباً بنا ، فأدخلنا إلى غرفة الضيوف ، وكانت ما شاء الله مفروشة بأحسن المفروشات من مجلس عربي فاخر إلى دهان متناسق مع الفرش .
فلم يذهب ظنّي بعيداً ، إذ كانت صورة العم سالم بالشماغ ، وعرفتُ من البداية أنه ليس من الذين يتعرّضون إلى الشمس في عملهم . فسألته ضاحكاً : وأين هذه الصورة ؟ ، فقال لي : في جدّة ، وأنا مغترب ، ولي سنين طويلة ، فضحك سالمين ، وقال : الله يعينكم على القرارات الجديدة ، فقال : يا ولدي الذي يجرى على الناس سيجرى عليك .
وهنا دخل علينا العم منصور مسلماً علينا ، وجلسنا نتحدّثُ عن النوب والغنم والأسعار والمكلا ودوعن ، وكانت جلسة وديّة صادقة . وقد كان الغداء فاخراً يليق بالضيوف المقربين .
ولو أنه لم يشغلني خبر الوالدة لبقينا إلى العصر . ودّعنا عمنا سالم ، وإنطلقنا إلى ( بن عيفان ) .
كان سالمين قلقاً ، أظنّ أن خبر الوالدة أزعجه مثلي . وكان ساكتاً طوال الطريق ، مما جعلني ألوذ بالصمت .
وصلنا إلى ( بن عيفان ) بعد العصر ، وبالصدفة كان باص النقل ( بن معمر ) منطلقاً إلى المكلا . فودعتُ سالمين واخبرته أن ينتبه لنفسه . وأخبرني بأنه يعرف كيف يتصرّف ،  سوف يستأجر أحداً لمدة الأربعة الأيام ، وألا أشغل بالي بهذا الأمر .
وانطقتْ الحافلة ، ولم تصل إلى المكلا إلا بعد صلاة العشاء . وكانتْ رحلتي طويلة ، والهمّ يملؤ نفسي - همّ الوالدة ، وهمّ وعدي الذي قطعته ، وتزاحمت المكالمة من الوالدة مع حوار القاطر مع لبنى - ووصلت إلى البيت ، فلقيتُ الوضع هادئاً طبيعياً . فسألتُ نفسي : ما الذي حدث ، ويحدث ؟!
فكان كل شيء يقول ، عكس ما يقول عقلي المتضارب في هواجسه . فسألتُ أخي ( أنور ) أين هي أمي ؟ ، فقال : نائمة ، وأشار إلى غرفتها . ثمّ سألني : خلاص ، طلعتوا من دوعن ؟ ، فلم أجبه . وفصلتُ أن أحدثه عن أخبار أمي ، وما الذي كان عندها ؟ ، فقال : ولا شيء ، فقد صلّتْ العشاء ، وقالت : لا أريد شيء في العشاء . فقلتُ له : والمستشفى التي أخبرتني بها ، قال : الفحص الشهري للضغط ، والحمد لله مستقر .
وكان أنور يشاهد فيلم في التلفزيون ، ومن كثر دهشتي لم أنظر إلى الشاشة .
فجلستُ قليلاً ، وتذكرتٌ سالمين القلق على أمّي . فاتصلتُ به ، وسمعتُ جلبة ، عنده ، فسألته : أيش الذي حاصل عندك يا بو مرشد ؟! . فأجابني بعد ذهابك من بن عيفان توجّهت إلى صديق من النحالة ، وطلبتُ منه استأجار عامل إلى نهاية الموسم . وعند وصول العامل إلى الخلايا ، لاحظ أنها ما شاء الله كاملة ، ولا بّد من نقلها إلى ( راس حويرة ) لدباسة العسل .
فقمتُ باستجار عامل آخر ، لأن الاثنين وثلاثمئة جبح ، لن يستطيع أن يحملّها قبل منتصف الليل ، ولذلك أتيتُ بآخر .
وهما الآن في الحملة الثانية والأخيرة وما زلنا في رحاب . وسوف ابيت مع العاملين في حويرة ، وقد إنقطعتْ صلتنا برحاب ، ومن الغد سوف نبدأ في الدباسة مع العاملين ، لأنّ أحدهم خبير في التقريف - وهو قطع أقراص العسل في القرف ( العلبة المعدنية ) المعرفة للعسل - فقلتُ له : على بركة الله . وأنهيت المكالمة ، واليأس بلغ مني مبلغاً عظيماً .
وبين ليلة وضحاها كان كل الذي يملأ نفسي من نشوة الصباح إلى قلق الظهيرة قد تلاشى ، ولم يبقَ إلا الحزن يخيّم على نفسي . فدخلتُ غرفتي وأغلقتُ بابي ، وبقيتُ شارداً ، ولا أدري ما الذي أفكر فيه ، وما حلّ بي ، لأنّ ذاكرتي مشوشة .
ولا أعلم كم مرّ عليّ ، غير أني سمعتُ طرقاً خفيفاً على الباب ، وصوت الوالدة ينادي صلاح حبيبي ، قمْ أفتح الباب . فنهضتُ وكنتُ أحسّ أن جسمي تعبان وقواي منهارة ، فقد أكون محموماً ، لا أدري .
ففتحتُ الباب لها ، فأخذتني في حضنها ونظرتْ إليّ ما لك يا صلاح ، فجسمك حار ، فايش الذي بك يا ابني ؟! . تعال واجلسْ ، قالتها لي . وأخذتني إلى السرير ، واقعدتني عليه .
وأخذتْ تنادي أنور ، فجاء ونظر إليّ وقال  : أيش جرى لك يا خوي ، لقد كنتَ البارحة تماماً ، فأكيد أصابتكَ الحمى الفيروسية - هي حمى تشتهر بنقص الصفائح في الدم ، وإذا استمرتْ الصفائح في النزول ، فقد تؤدي إلى الوفاة ، وهي هذه الأيام منتشرة عندنا - ، قالها في حزن بائن على وحهه ، فلم أردّ عليه ، ولم أكنْ أقدر على الحوار . سمعته يقول : الأن سأجيب السيارة ، كان المفروض لمّا شعرتَ بالحمى أنْ تصحيني - الله يهديك - ، وخرج مسرعاً من الغرفة .
ثمّ سألتني أمّي : هل تعشيت البارحة ، فهززت رأسي نافياً . خلاص ، يا ابني هل تبغى شيئاً تأكله ، فهززتُ رأسي نافياً ، فخارجتْ ، وهي تقول : سأسوّي لك كأساً من العصير ، وحتى العصير لم أرغب أن أشربه .
مرّتْ لحظات كنتُ أحسّ فيها أنّ جسمي تزداد حرارته ، وهذه هي المرّة الأولى التي أشعر فيها بالحرارة ، ولا أدري . فدخلتْ أمّي : بالعصير ، فتناولت الكأس منها .
كانت حالتي مزرية ، وقد لاحظت وجهي في مرأة على جانب السرير وعيوني محمرّة ، وشعري أشعث ، ووجهي لعبت به الشمس كثيراً ، وسمرة داكنة فيه لم أعرفها من قبل ، رلا أدري هل هي من شمس الشعاب ، أم بسبب الحمى . فقد كنتُ لا أنظر إلى المرأة دوماً . أو بالأحرى لا أقيم لصورتي وزناً .
فشربت قليلاً من العصير ، لكي لا تحزن أمّي ، فقد كانتْ تتألّم ، ومفجوعة ومصدومة بحالتي ، فلكِ الله يا أمي  !!
كان طعمه مرّاً ، إلا إني تجرعته على مضص . لأنها طلبتْ منّي أنْ أكمل هذه الكأس . وبعد شربي للعصير بفترة قصيرة ، دخل أخي أنور يخبرني أنّ السيارة جاهزة ، وأمسك بيدي ليساعدني على النهوض . وأخبرته أمّي أنّ أخاك لا يزال ذا قوّة ، فتبسّم ، وقال : أكيد . فأول شيء سنعثله سنفحص الفيروسية . وخرجنا من البيت وأمّي تدعو لي بالسلامة .
مرّ عليّ يوم عصيب عليّ ، فقد سبّبتْ لي الحمى هديان طول اليوم ، كما قال لي أخي أنور . فقد كنتُ أتذكر الطارح ولبنى والنوب وسالمين وها أنذا الآن في المستشفى ولي يومان .
الحمد لله الصفائح ارتفعتْ فقد كانت اقلّ من ( 140 ) مع بداية الخطر ، ووصلتْ الأن إلى ( 220  ) ، كنتُ أسمعه ولم أرد عليه .
 أخبرني أيضاً أنّ سالمين اتصل ليطمئن عليك ، الوالدة تدعو الله لك ، وقد كانتْ هنا . وترجّيتها أنْ ترجع إلى البيت ، فلم تجبني ، إلا لما سمعت الطبيب يقول إنّ الصفائح في ارتفاع تدريجي . وحالتي في تحسّن .
وفجأة سألتُ أنور عن ما قلته في حالة الهذيان ، وكيف كانت حالتي ، وهل قلتُ شيئاً أخر ؟ ، فأجاب مبستماً : أنه لم يفهم من كلامي غير كلمات أنا تعبان ، وسالمين ، ولبنى ، وبقية كلامك كان غير مفهوم .
كان أخي يقول الحقيقة ، لأني أعرفه مثل ما أعرف نفسي تقريباً ، فطريقة كلامه وأسلوبه مفهومة لديّ ، حتى وإنْ كان صامتاً . كانت تقاسيم وجهه دقيقة وله عينان صافية وأنف مدبب . صراحة كان أخي وسيماً جدّاباً . وله شعر كثيف أسود قصير ، يعتني بتصفيفه جيداً .
دخل الطبيب ، وسلّم عليّ ، وسأل عن حالتي . وكنت في وضع أحسن .وأخبرني أنكَ نستطيع الذهاب إلى بيتك مع عدم الإجهاد . لأنه سوف يسبب نتيجة كارثية لصحتكَ ، وأوصاني بالسوائل مع تكملة العلاج لمدّة أسبوعين .
فشعرت بالرغبة والوقوف ، والاعتراض على الأسبوعين للعلاج ، لكن قواي كانتْ خائرة . وكان طيف لبنى ، هو الدافع الأول لى ، وكرهي للبقاء في البيت هذه المدة الطويلة ، هو الدافع الثاني . وكتب الطبيب العلاج ، وإنصرف لمرضاه في الغرف المجاورة .
اتصل أنور بالبيت ليخبر أمّي على أمر خروجنا ، وكان تلفون البيت يرنّ ، ولا مجيب .
قال لي : يظهر أنّ الوالدة قد إنطلقتْ إلى مستشفى ابن سيناء ، لأنها كانتْ قلقة عليك جداً الليلة الماضية . وهنا تأسفتُ لحالي لأنها قد سببتْ لأمي المتاعب .
فقلتُ لأنور : سوف ننتظر ساعة أخرى ، فقد تكون إنطلقت فعلاً إلينا ، فقال أنور : ساعة كافية ، لأن مسافة الطريق من الديس إلى المستشفى أقلّ من ساعة في أصعب الأوقات .
وخرج أنور من الغرفة ، وبقيتُ لوحدي فيها أنظر إلى قدماي ، ولحظة إلى الجدار على جانبي .
مرّتْ الدقائق طويلة عليّ ، وقد حاولتُ النهوض من السرير ، إلا أني ما زلتُ أشعر بالألم في كلْ مفاصلي ، كأني قد وقعتُ من خمسة أمتار على الأرض . وبعدها دخل أنور إلى عندي ، وتبعته أمّي مبتسمة ، واقتربتْ من سريري ، وجلستْ تقبّل وجهي باكية ، لعلّ هذا يخفف عنها ، فتركتها لمشاعرها مع أنّ ذلك كان يتعبني ، ووصلنا إلى البيت .
وبعد عشرة أيام وصل سالمين إلى البيت ، لأنه قد انتهى من العمل في الدباسة ، وانتهى موسم البغيّة . واتفق مع زبائن العسل أن يتعاملوا معه لسنوات طوال . ثمّ تطرقتُ وسالمين في مواضيع شتى عن دوعن والدباسة ، والنوب والعسل . إلا موضوع لبنى لم أتِ على ذكره ، وأردْ ذكره ، لأنها مرّتْ عليّ خمسة أشهر بعد رجوعي من دوعن ، فلا أريد أن يتعكر مزاجي ، لأنها قطعة من روحي . وحتى بعد شفاي من مرضي ، فهذا الموضوع أيضاً ، يتجنبه سالمين إلى الآن .
ودخلتُ إلى الهايبر مع الوالدة ، وكنا نقوم بشراء بعض احتجاجات البيت ، لأن أمّي تحب أن تكون مشترياتها من هنا . وكان هذا السوق مزدحماً في هذا اليوم ، والحركة بطيئة ، والناس في طريقهم ، ولا تلتفتْ إليك .
وأنا أسير وخلفي أمي ، إلا بطفل يمسك بيدي ، فحاولتُ أن أبعده عنّي ، فنظرتُ إليه . فإذا به محمد أخو ( لبنى ) ، فتبسّمتُ ، وسألته : أأنتم في المكلا ؟!
في هذه الأثناء ، وقالتْ أمّي : من هذا الولد ، يا صلاح ؟! ، فقلتُ لها : هذا محمد سالم السيباني ، ورجعتُ إلى محمد سائلاً : وأين أهلك ؟ ، فأشار إلى فتاة واقفة على بعد خمسة عشر متراً منّي وأمي . وكانتْ تحمل كيساً في يدها ، فأشرتُ إليها أن تأتى . فقالتْ أمّي : ومن هذه البنت ، يا صلاح ؟! ، قلتُ لها : أمّي هذه لبنى أخت محمد .
وحين أقبلتْ إلينا كانتْ أجمل في نقابها البدوي . فسلّمتْ علينا ، فقلتُ لها : يا لبنى ، هذه خالتك فاطمة أمّي . فقالتْ لها : كيفش يا خالة فاطمة ؟ ، فردّتْ : بخير ، يا ابنتي .
وكنتُ ومحمد الصغير ننظر إليهما من قريب . فسألت أمّي : ومن أين أنتم ، يا بنيّة ؟ ، وهنا أجبتُ على أمّي : من دوعن . وسألتُ لبنى : وأين العم سالم ؟! ، فقالتْ : خرج هنا من هنا السيارة ، قلتُ لها : يالله أبغى أسلّم عليه ، وكانت لا تزال واقفة مع أمي . فقالتْ : انتظر على شأن تعرف كيف إن الانتظار قاتل  .
كانت أمّي واقفة تنظر إلى لبنى ، تذكرت قول علي خشيم :
العشق قاتل بلذة
والانتظار قاتل بملل
والموت قاتل بمصيبة
ووضعتُ أغراضي عند أمّي بسرعة ، وقلتُ لمحمد : وأين سيارتكم ؟!
وقلت لأمي : أنا وعدتها يا أمي ، فسوف أكلّم عمّي سالم ، أجابتْ : على بركة الله .
وكنتُ أدفع محمد بسرعة ، إذ سمعتُ صوت أمّي صائحاً : يا صلاح وين رايح؟ ما تستحي تعال ، فرجعتُ أجرّ قدمي إليها . قائلا : أيش يا أمي ؟ ، فقالت وهي تبتسم  : ما تسحتي شيل الكيس من يد البنت إلى السيارة ، مشيرة إلى يد لبنى ، قالتْ لبنى : ما شي داعي ، أخذته منها قائلاً لها : انتظري عند أمّي .
خرجتُ من البوابة ومحمد ، وكانت السيارة واقفة بعيداً قليلاً ، فذهبنا إلى السيارة . وكان العم سالم بجانبها ينتظر قدوم أولاده . ولمّا رآني مع محمد انتبه .وسار في إتجاهنا ، قائلا : محمد أيش صاير ؟ ، فقلتُ له بعد أن تعرّف عليّ : الحمد لله الأمور طيبة ، وأعطيته الكيس . فسأل ابنه : وأين أختك ؟! ، فأجبتُ : لا تخف يا عم ، أنها مع الوالدة . فأنا أخذت محمد ، وطلبتُ من ابنتك البقاء عند أمّي ، لأني أريدك في موضوع مهم ، فقال :  هات ، يا صلاح !!
فقلت له : الموضوع بدون لف ودوران أني أذلبُ يد بنتك ، وسوف أتي بالوالدة وأعمامي إلى دوعن قريباً .
فقال : يا ولدي هذا الموضوع سنشاور فيه ، وسنردّ عليكم بخير إنْ شاء الله ، فقلتُ له : تمام ، وأنا بعد أسبوع سنخرخ الى عندكم ، وأنتم شاورا ، واسألوا ، فنحن أناس طيبون يا عم سالم . فقال : إن شاء الله يحصل خيراً ، ولكن اليوم الذي تخرجون فيه إلى عندنا أعطيني خبراً ، وهذا رقمي ، فسجّله عندك .
فسجلته واتصلتُ عليه ، وقلتُ له : هذا رقمي .
ورجعنا إلى حيث تقف الوالدة أنا ومحمد ، وقلتُ للبنى : أنا وفيت بكلامي . وكانتْ أمّي سعيدة  مبتهجة ، وأعرف ذلك جيداً . وأخدنا أغراضنا ومشينا بعد أن خرجت لبنى وأخوها من السوق إلى والدهما
في النهاية عرفتُ من الوالدة أنّ سالمين هو الذي طلب منها الاتصال في ذلك اليوم . بعد أنْ رأى منّي السهر ، وقلّة النوم ، والموقف الذي قد يتكرر مع لبنى عند القاطر . وتحصل لي ما لا يحمد عقباه . لذلك لا أحد منهم يذكر بلاد رحاب عندي ، حتى لا يحصل لي مضاعفات نفسية ، او هكذا يظنون .
هذا ما أخبرته لي أمّي بعد ذهاب لبنى .
واتصلت سالمين في التلفون ألعنه ، وأنا أضحك . وكانتْ إجابات هذا الشاب مقنعة لديّ . وأخبرته يجهز لي سيارة في الأسبوع القادم لأني أعشق السيبانية حقًا .

ليست هناك تعليقات: